السقوط الأخير لـ “مستريح قنا”.. كواليس حصرية لإنهاء رحلة توظيف الأموال الوهمية بين قنا وأسيوط

السقوط الأخير لـ “مستريح قنا”.. كواليس حصرية لإنهاء رحلة توظيف الأموال الوهمية بين قنا وأسيوط

الداخلية تُجهز على متهم خدع زملائه بأرباح الألومنيوم.. والتحريات تكشف تفاصيل 11 عاماً من جمع الأموال والهروب

في ضربة أمنية حاسمة لظاهرة الاستيلاء على أموال المواطنين تحت ستار الاستثمار الوهمي، نجحت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية المصرية في إسقاط أحد أباطرة توظيف الأموال، الشهير بـ “مستريح قنا”، عقب رحلة طويلة من المماطلة والهروب استمرت لسنوات، تاركاً خلفه عشرات الضحايا الذين طاردوه بالبلاغات والشكاوى القضائية.


من موظف بالمعاش إلى مدير “إمبراطورية وهمية”

تكشف التفاصيل الحصرية للواقعة أن المتهم، وهو أمين مخازن متقاعد بمدخرات بسيطة، لم يكن سوى رجل يبحث عن ثراء سريع عبر تجارة الوهم. بدأت القصة في عام 2015، عندما استغل المتهم علاقاته وسابقة عمله ليبرم عقداً مع إحدى الشركات الكبرى العاملة في مجال تصنيع الألومنيوم لنقل المواد الخام.

ولتحقيق ذلك، قام المتهم بشراء عدد من سيارات النقل لاستخدامها في عمليات الشحن والنقل الخاصة بالشركة. ولكن سرعان ما تحول المشروعة الخدمي إلى فخ لاستدراج الضحايا؛ حيث أسال اللعاب لدى زملائه والمحيطين به بعدما أظهر لهم عوائد مالية سريعة ومجدية من نشاط النقل.


مصيدة الأرباح السنوية وتخدير الضحايا

عندما علم بعض العاملين بالشركة والمحيطين به بنشاطه التجاري، تقدموا إليه برغبة ملحة لمشاركته بأموالهم ومدخراتهم لزيادة أسطول السيارات، مقابل الحصول على نسبة أرباح سنوية مرتفعة متفق عليها.

واستطاع المتهم على مدار عدة سنوات — وتحديداً منذ عام 2015 وحتى عام 2022 — الوفاء بدفع الأرباح بشكل منتظم، وهو أسلوب تقليدي يعتمده نديرو شبكات التوظيف الوهمي (“المستريحين”) لكسب ثقة الضحايا وجلب المزيد من رؤوس الأموال عن طريق دعاية الشركاء القدامى.


بداية الانهيار وشلل الأسطول (2022)

شهد عام 2022 نقطة التحول الفاصلة في نشاط المتهم، حيث تعثر مالياً وعجز عن سداد الأرباح الدورية للشركاء. ومع تزايد الضغوط والمطالبات المالية، لجأ المتهم إلى بيع سيارات النقل التي كان يمتلكها ويستخدمها في نقل الألومنيوم، وقام بتوزيع جزء يسير من حصيلة البيع على بعض الشركاء لتسكين أزمتهم وإقناعهم بمروره بضائقة مالية مؤقتة.

ولكن مع مرور الوقت وتوقف التدفقات المالية تماماً، أدرك الضحايا أنهم وقعوا ضحية عملية نصب واحتيال منظمة، وأن أصول المشروع تم تصفيتها دون استعادة رؤوس أموالهم الأصلية.


البلاغات القضائية وسقوط الأقنعة (2026)

مع انسداد أفق الحلول الودية واستمرار المتهم في التملص والمماطلة، تقدم المتضررون ببلاغات رسمية متتالية أمام الجهات القضائية والأجهزة الأمنية، يتهمونه فيها بالنصب والاحتيال والاستيلاء على أموالهم بطرق احتيالية.

وعقب تقنين الإجراءات وفحص البلاغات، أصدرت النيابة العامة قراراً بضبط وإحضار المتهم. وعلى الفور، تشكلت فرق بحث قادها قطاع الأمن العام بالتنسيق مع مديريتي أمن قنا وأسيوط لتحديد مكان اختفاء المتهم.


القبض والمواجهة الحاسمة

أسفرت التحريات المكثفة عن تحديد محل اختفاء المتهم؛ حيث تبين أنه اتخذ من محل إقامته بمحافظة أسيوط ومقر آخر بمركز شرطة نجع حمادي بمحافظة قنا ملاذاً للتواري عن أنظار الضحايا والشرطة.

وفي كمين أمني محكم، ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه، وبمواجهته أمام رجال البحث الجنائي بالأدلة والبلاغات المقدمة ضده، انهار وأقر بتفاصيل نشاطه الإجرامي بالكامل، مؤكداً بداية تعثره منذ عام 2022 واضطراره لبيع السيارات لسداد جزء من الديون قبل أن يتوارى عن الأنظار.


تحذير أمني ومصير المتهم

تم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيال المتهم، وجرى تحرير المحضر اللازم وإحالته إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيقات، والتثبت من إجمالي المبالغ المستولى عليها وحصر باقي الضحايا.

وتجدد الأجهزة الأمنية تحذيراتها للمواطنين بضرورة توخي الحذر وعدم الانسياق وراء دعاوى الاستثمار غير المشروع أو تسليم الأموال لأشخاص بعيداً عن القنوات المصرفية والشركات المعتمدة رسمياً، تجنباً للوقوع في مصيدة “المستريحين”.